سيد قطب

2194

في ظلال القرآن

ثم يأخذ السياق في شيء عن خاصة الكتاب . عن آداب قراءته . وعن تقولات المشركين عليه : « فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ . إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ . إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ » . والاستعاذة باللّه من الشيطان الرجيم تمهيد للجو الذي يتلى فيه كتاب اللّه ، وتطهير له من الوسوسة واتجاه بالمشاعر إلى اللّه خالصة لا يشغلها شاغل من عالم الرجس والشر الذي يمثله الشيطان . فاستعذ باللّه من الشيطان الرجيم . . « إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ » فالذين يتوجهون إلى اللّه وحده ، ويخلصون قلوبهم للّه ، لا يملك الشيطان أن يسيطر عليهم ، مهما وسوس لهم فإن صلتهم باللّه تعصمهم أن ينساقوا معه ، وينقادا إليه . وقد يخطئون ، لكنهم لا يستسلمون ، فيطردون الشيطان عنهم ويثوبون إلى ربهم من قريب . . « إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ » أولئك الذين يجعلونه وليهم ويستسلمون له بشهواتهم ونزواتهم ، ومنهم من يشرك به . فقد عرفت عبادة الشيطان وعبادة إله الشر عند بعض الأقوام . على أن اتباعهم للشيطان نوع من الشرك بالولاء والاتباع . وعند ذكر المشركين يذكر تقولاتهم عن القرآن الكريم : « وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا : إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ . بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ . قُلْ : نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ، لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا ، وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ . وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ . لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ ، وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ . إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ . إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ ، وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ » . . إن المشركين لا يدركون وظيفة هذا الكتاب . لا يدركون أنه جاء لإنشاء مجتمع عالمي إنساني ، وبناء أمة تقود هذا المجتمع العالمي . وأنه الرسالة الأخيرة التي ليست بعدها من السماء رسالة ، وأن اللّه الذي خلق البشر عليم بما يصلح لهم من المبادئ والشرائع . فإذا بدل آية انتهى أجلها واستنفدت أغراضها ، ليأتي بآية أخرى أصلح للحالة الجديدة التي صارت إليها الأمة ، وأصلح للبقاء بعد ذلك الدهر الطويل الذي لا يعلمه إلا هو ، فالشأن له ، ومثل آيات هذا الكتاب كمثل الدواء تعطى للمريض منه جرعات حتى يشفى ، ثم ينصح بأطعمة أخرى تصلح للبنية العادية في الظروف العادية . إن المشركين لا يدركون شيئا من هذا كله ، ومن ثم لم يدركوا حكمة تبديل آية مكان آية في حياة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - فحسبوها افتراء منه وهو الصادق الأمين الذي لم يعهدوا عليه كذبا قط . « بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ » . . « قُلْ : نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ » . . فما يمكن أن يكون افتراء . وقد نزله « رُوحُ الْقُدُسِ » - جبريل عليه السلام - « مِنْ رَبِّكَ » لا من عندك « بِالْحَقِّ » لا يتلبس به الباطل « لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا » الموصولة قلوبهم باللّه ، فهي تدرك أنه من عند اللّه ، فتثبت على الحق وتطمئن إلى الصدق « وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ » بما يهديهم إلى الطريق المستقيم ، وبما يبشرهم بالنصر والتمكين . « وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ . لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ . وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ » . . والفرية الأخرى بزعمهم أن الذي يعلم الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - هذا القرآن إنما هو بشر . سموه باسمه ، واختلفت الروايات في تعيينه . . قيل : كانوا يشيرون إلى رجل أعجمي كان بين أظهرهم غلام لبعض